الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

496

مرآة الحقائق

وشكاية من اللّه ذي النوال ، وإظهار للحرص والطمع ، وتحريضا للناس على المنكر الذي هو السؤال بلا ضرورة ، وحملا للمعطي على الحرام ؛ فإنه إذا كان بطريق الصدقة لا بطريق الهبة ؛ كان إعانة على المعصية ، فمن تلك الأنحاء والوجوه السؤال ؛ كسؤال السائلين . ومنها : التعريض لا التصريح ؛ فإنه أيضا حرام ، ومن ذلك التفقر عند الأكابر والأغنياء ؛ فإنه في حكم السؤال . ومنها : دور الأبواب ، والمدّروزون ملعونون ، كما يفعله كثير من الناس خصوصا منهم من يدّعي العلم أو الطريقة ؛ فيدخل أبواب الأكابر ، ورجال الدولة ؛ وهو على هيئته جلبا لأموالهم ؛ بل ربما يسأل عنهم ولو بطريق المزاح . ومنها : الإقدام على فعل في محضر الناس ، ووجوه القوم لا يفعله في الخلوات ؛ كالتواجد ليظن الخلق أنه من أرباب الأحوال ، فيحسنوا الظن به ويعطوه الأموال . ومنها : الرياء بصفرة الوجه والصوم ونحو ذلك ، يسأل الزكاة والصدقات بسبب اعتقاد الناس كونه من الصلحاء ، أو كونه من الفقراء ، وعلى هذا فقس سائر الوجوه المستشعة ، وإلحقها به ، وتجنب عن أصحابها ، واعتصم باللّه ، وتوكّل على اللّه ، واجتهد حتى لا يراك اللّه حيث نهاك . ولقد كثر في زماننا هذا وجوه المنكرات بحيث لا تعد ولا تحصى ، وربما تلاقي شخصا ذا هيئة رفيعة وهو يفتخر بالانتساب إلى فلان وفلان ، ويدّعي محبته إليه ، وهو غافل عن اللّه تعالى ، وعن قوله : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [ يونس : 58 ] : أي ما يجمعه الكفار ، ومن في حكمهم من الغافلين ، فإن الدنيا لا تزن عند اللّه جناح بعوضة ، وإن رزق آل محمد إنما كان كفافا ، وإن الفقر أرجح عند اللّه من الغنى ؛ ولذا لم يكن السلف إلا على التعفف والورع والقناعة والتوكل ونحو ذلك . وقالوا للدنيا : حبلك على غاربك . فكانوا أغنياء ؛ بل ملوكا تحت الأطمار ؛ ولأن الغنى إنما هو بال ، له فعليك به قبل يوم فقرك .